حبيب الله الهاشمي الخوئي

357

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

( ومحاسبون عليها ) أي على نعيمها كلَّا أو بعضا على ما مضى تحقيقا وتفصيلا في شرح كلامه الثمانين ومضى هناك أيضا توضيح الاتعاظ بالدّنيا والاعتبار فيها فليراجع ثمّة . ثمّ إنّه عليه السّلام لما وصّى بالتّقوى وأمر بلزومه بذكر بعض الجواذب إليه أكَّده وعلَّله بقوله : ( فانّ الدّنيا رنق مشربها ) وهو كناية من كدر لذّاتها من حيث شوبها بالتّعب والمصائب والهموم والأحزان ( ردغ مشرعها ) لأنّ مواردتنا ولها والشّروع فيها من مزالق الاقدام عن سواء الصّراط إلى طرفي التفريط والافراط ، وذلك لكثرة الشبهات وغلبة المشتبهات ( يونق منظرها ) لما في ظاهرها من الحسن والبهجة والرّدغ والنضرة الموجبة لاعجاب الناظرين إليها والتذاذهم بها ( ويوبق مخبرها ) لما في باطنها من السمّ القاتل الباعث على وبوق المتناولين لها وهلاك المفتتنين بها ، ووقوعهم في الخزي العظيم والعذاب الأليم . وهى ( غرور حائل ) لأنّها تغرّ الخلق وتخدعهم بزخرفها وزبرجها فيتوهّمون دوامها وثباتها ثمّ تنتقل عنهم وتتغيّر في زمان يسير ومدّة قليلة ( وضوء آفل ) استعار لفظ الضوء لما يظهر منها من الحسن في عيون الغافلين من قولهم على فلان ضوء إذا كان حسن المنظر يعنى إنّها ذو حسن وضياء إلَّا أنّ حسنها قليل لا يدوم ويغيب فلا يبقى ( وظلّ زائل ) أي يستريح فيها أهلها ويستظلَّون بها إلَّا أنّها في معرض الفناء والزّوال ( وسناد مائل ) يستند إليها الغافلون ويعتمدون عليها مع أنّها لاثبات لها ولاقرار . ( حتّى إذا أنس نافرها واطمئنّ ناكرها ) أي إذا استأنس بها من كان باقتضاء عقله نافرا عنها وسكن إليها من كان بمقتضى فطرته منكرا لها ( قمصت بأرجلها ) كالدّابة القامصة الممتنعة عن ركوب الانسان المولَّية عنه . وقمصها كناية عن امتناعها على الانسان حين حضور أجله كأنّها تدفعه برجليها مثل الدّابة الموصوفة ، والاتيان بصيغة الجمع مع أنّ الدّابة لها رجلان من باب التغليب واعتبار اليدين وإنّما عبّر بالرّجل دون اليد لكون القمص إلى الرّجل أنسب .